أحمد بن محمود السيواسي

234

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

همي به في زعمه بين الناس ، فحقه أن تحبسه مدة « 1 » ، فأجمعوا على ذلك ( مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ ) أي العلامات الدالة على براءة يوسف من شق بالقميص من خلفه ، وكلام الشاهد الصغير أو قضاء ابن عمها بالحق وقطع الأيدي ( لَيَسْجُنُنَّهُ ) أي ليحبسن العزيز وأهله يوسف ( حَتَّى حِينٍ ) [ 35 ] أي إلى مدة ينقطع كلام الناس في ذلك ، وقيل : « خمس سنين » « 2 » ، وقيل : « سبع سنين » « 3 » ، وغرضها جعلها ذليلا بالسجن كما قالت من قبل لما آيست من طاعته لها ، روي : أن يوسف انما سجن لطلبه السجن بقوله « رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ » « 4 » ، وإن سأل العافية عافاه اللّه والأولى بالمرء أن يسأل اللّه العافية عافاك اللّه وإيانا في الدارين ، وقيل : إن اللّه قد حبسه تطهيرا ليوسف من همه بالمرأة « 5 » . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 36 ] وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 36 ) ( وَدَخَلَ مَعَهُ ) نصب على الحال « 6 » ، أي مصابحين ليوسف ( السِّجْنَ فَتَيانِ ) وهما عبدان للملك ، أحدهما ساقيه والآخر صاحب طعامه ، وكان المصريون أعطوهما رشوة ليسما الملك في طعامه وشرابه ، فأبى الساقي وقيل الخباز فسم الطعام ، فلما أحضروا الطعام قال الساقي للملك : لا تأكل من هذا الطعام ، فإنه مسموم ، وقال الخباز : لا تشرب ، فان الشراب مسموم ، فقال الملك للساقي : اشرب فشرب فلم يضره ، وقال : للخباز كل من طعامك فأبي ، فأمر تجربة بأن يأكله دابة فأكلت فهلكت ، فأمر الملك بحبسهما غضبا عليهما ، وكان يوسف عند دخوله السجن قال للناس : أنا أعبر الأحلام لنشر علمه ( قالَ أَحَدُهُما ) وهو الساقي ليوسف ( إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً ) أي عنبا بلغة عمان بالتخفيف ، وقيل : سمي « خمرا » باسم ما يؤول إليه « 7 » ، وذلك أنه قال إني رأيت كأني في بستان فإذا بكرمة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها ، وكأن كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه ( وَقالَ الْآخَرُ ) وهو الخباز ( إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً ) في ثلاث سلال مع ألوان الأطعمة ( تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ) أي من الخبز الذي فوق رأسي ( نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ ) أي أخبرنا عن تعبير ما قصصنا عليك وتفسيره وعاقبة أمر هذا « 8 » الرؤيا ( إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) [ 36 ] أي العالمين بتعبير الرؤيا أو من الصادقين في القول أو من العاملين بالإحسان ، وقيل : من إحسانه أنه إذا مرض إنسان في السجن عاده وقام عليه ، وإذا ضاق وسع له ، وإذا احتاج جمع له شيئا ، وكان مع هذا يجتهد في العبادة ويقوم الليل كله للصلاة ، ويقول لأهل السجن أبشروا واصبروا تؤجروا ، فيقولون بارك اللّه فيك يا فتى ما أحسن وجهك وخلقك وحديثك ، لقد بورك لنا في جوارك ، فمن أين أنت يا فتى ؟ قال : أنا يوسف بن صفي اللّه يعقوب بن ذبيح اللّه إسحاق بن إبراهيم خليل اللّه ، فقال له عامل السجن : يا فتى واللّه لو استطعت لخليت سبيلك ولكني أسحسن جوارك تمكن في أي بيوت السجن شئت ، فلما قصا عليه الرؤيا كره أن يعبر لهما ما سألاه لما علم في ذلك من المكروه على أحدهما ، فأعرض عن سؤالهما وشرع في إظهار المعجزة والدعوة إلى التوحيد « 9 » . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 37 ] قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 37 ) ( قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ ) من منازل لكما ( تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما ) أي أخبرتكما ( بِتَأْوِيلِهِ ) أي ببيان ماهية الطعام

--> ( 1 ) اختصره المفسر من السمرقندي ، 2 / 161 ؛ والبغوي ، 3 / 281 . ( 2 ) عن الكلبي ، انظر السمرقندي ، 2 / 161 ؛ والبغوي ، 3 / 281 . ( 3 ) عن عكرمة ، انظر البغوي ، 3 / 281 . ( 4 ) لعله اختصره من السمرقندي ، 2 / 160 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 279 - 280 . ( 5 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 281 . ( 6 ) نصب على الحال ، ب س : - م . ( 7 ) أخذه عن الكشاف ، 3 / 76 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 161 . ( 8 ) هذا ، س م : - ب . ( 9 ) نقله المؤلف عن البغوي ، 3 / 282 ، 283 .